العيني

266

عمدة القاري

أنه لما قال لنمرود لعنه الله ربي الذي يحيى ويميت أحب أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين ، وأن يرى ذلك مشاهدة ، فقال : * ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) * ( البقرة : 062 ) . كما أن الإنسان يعلم الشيء ويتيقنه ولكن يحب أن يراه عياناً . ومنها : أنه لما بشر بالخلة سأل ذلك ليتيقن بالإجابة لصحة ما بشر به قاله ابن مسعود ونمها انما سأل ليشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يجمع بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين . ومنها : ما روي عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع ، فقال : * ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) * ( البقرة : 062 ) . ليشاهد ذلك ، لأن النفوس متشوقة إلى المعاينة ، يصدقه الحديث : ليس الخبر كالمعاينة . ومنها : ما قاله ابن دريد : مر إبراهيم بحوت نصفه في البر ونصفه في البحر ، والذي في البحر تأكله دواب البحر ، والذي في البر تأكله دواب البر ، فقال إبليس الخبيث : يا إبراهيم ! متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فقال * ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) * ( البقرة : 162 ) . * ( ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 162 ) . ليسكن ويهتدي باليقين الذي يستيقنه ، وقال ابن الحصار في ( شرح القصيدة ) : إنما سأل الله أن يحيي الموتى على يديه يدل على ذلك قوله تعالى : * ( فصرهن إليك ) * ( البقرة : 062 ) . فأجابه على نحو ما سأل ، وعلم أن أحداً لا يقترح على الله مثل هذا فيجيبه بعين مطلوبه إلا عن رضا واصطفاء . بقوله : * ( أو لم تؤمن ) * ( البقرة : 062 ) . بأنا اصطفيناك واتخذناك خليلاً ؟ قال : بلى . قوله : كيف تحيي الموتى ، لفظ : كيف ، اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل نحو قولهم : على كيف تبيع الأحمرين ؟ ويستعمل على وجهين : أحدهما : أن يكون شرطاً نحو : كيف تصنع أصنع ، والآخر : وهو الغالب : أن يكون استفهاماً ، وهنا كذلك ، وقال ابن عطية : السؤال : بكيف ؟ إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل ، فكيف هنا استفهام عن هيئة الإحياء ، وهو متقرر . قوله : * ( قال أو لم تؤمن ) * ( البقرة : 062 ) . يعني : بإحياء الموتى ؟ وإنما قال : أو لَمْ تؤمن ؟ مع علمه بأنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين . قوله : قال بلى ، أي : بلى آمنت ، و : بلى ، إيجاب لما بعد النفي . قوله : * ( ولكن ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 162 ) . أي : ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال ، لأن ظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين ، وعن ابن عباس والحسن وآخرين : ليطمئن قلبي للمشاهدة ، كأن نفسه طالبته برؤية ذلك ، فإذا رآه اطمأن ، وقد يعلم المرء الشيء من جهة ثم يطلب أن يعلمه من غيرها ، وقيل : المعنى : ليطمئن قلبي لأني إذا سألتك أجبتني ، وقيل : كان سؤاله على طريق الأدب يعني : أقدرني على إحياء الموتى ليطمئن قلبي عن هذه الأمنية ، فأجابه الله إلى سؤاله ، وقال : فخذ أربعة من الطير وهي : الغرموق والطاووس والديك والحمامة ، كذا روي عن ابن عباس ، وعنه : أنه أخذ وزاً ورألاً ، وهو فرخ النعامة وديكاً وطاووساً . وقال مجاهد وعكرمة : كانت حمامة وديكاً وطاووساً وغراباً . وروى مجاهد عن ابن عباس : أن الطيور كانت طاووساً ونسراً وغرابا وحماماً . وفيه : إشارة إلى أحوال الدنيا : فالطاووس من الزينة ، والنسر من امتداد الأمل ، والغراب من الغربة ، والحمام من النياحة . وقيل : موضع النسر : البط ، وموضع الحمام : الديك ، والحكمة في اختيار هذه الأربعة هي : أن الطاووس خان آدم ، صلى الله عليه وسلم ، في الجنة ، والبطَّ خان يونس صلى الله عليه وسلم حين قطع يقطينه ، والغراب خان نوحاً صلى الله عليه وسلم حين أرسله ليكشف حال الماء الذي عم الأرض فاشتغل بالجيفة ، والديك خان إلياس فسلب ثوبه ، فلا جرم أن الله تعالى غير صوت الطاووس بدعاء آدم صلى الله عليه وسلم ، وسلب السكون على البط بدعاء يونس صلى الله عليه وسلم ، وجعل رزق الغراب الجيفة بدعاء نوح صلى الله عليه وسلم ، وألقى العداوة بين الديك بدعاء الياس صلى الله عليه وسلم ، ولما أخذ إبراهيم هذه الطيور الأربعة ، قال الله تعالى له : فصرهن إليك ، أي : قطعهن ، كذا رواه مجاهد عن ابن عباس ، ثم خلطهن ثم اجعلها أربعة أجزاء ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ، ففعل إبراهيم مثل ما أمر به ، ثم أمره الله أن يدعوهن ، فدعاهن فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش ، والدم إلى الدم ، واللحم إلى اللحم ، والأجْزَاء من كل طير يقصد بعضها بعضاً حتى قام كل طير على حدته وأتينه يمشين سعياً ليكون أبلغ في الرؤية التي سألها . قال ابن عباس : وكان إبراهيم قد أخذ رؤوسهن بيده وجعل كل طير يجيء ليأخذ رأسه من يد إبراهيم ، فإذا قدَّم إبراهيم غير رأسه يأباه ، وإذا قدَّم رأسه تركب مع بقية جثته ، بحول الله تعالى وقوته ، ولهذا قال الله : واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء ، ولا يمتنع منه شيء ، حكيم في أقواله وأفعاله . فإن قلت : لِمَ خص الطير من بين سائر الحيوانات ؟ قلت : لأن للطير ما لسائر الحيوانات ، وله زيادة : الطيران ، ولأن الطير هوائي ومائي وأرضي ، فكانت الأعجوبة في إحيائه أكثر ، ولذا قال عيسى صلى الله عليه وسلم : إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ، فاختار الخفاش